دائما شاشات الشبكة العنكبوتية أمامه, كان ينتقل من محادثة إلى محادثة, كان يتحدث إلى تلك الفتاة تارة وإلى هذه الفتاة تارة أخرى, حيث أنه كان يلعب بأحاسيسهن ومشاعرهن, كانت الفتاة تنجذب إلى فارس بسبب كلامه اللبق وأناقته الفذه, كان ينتقل إلى هذه الفتاة بعد أن يمل من تلك الفتاة, كانت علاقة فارس بالفتيات محصورة بالمحادثات عبر الانترنت والهاتف الخلوي والخروج إلى المقاهي معهن........ انتهت السنة الدراسية.. وبدأت عطلة السنة, فصار أغلب وقته الجلوس على الانترنت والخروج مع أصدقائه القليلين, وفي آخر الليل يجلس على الانترنت حتى شروق الشمس؛ كان لفارس صديق مقرب يدرس في كندا في جامعة دلهاوسي, كانت محادثات فارس ومجيد عبر الانترنت, ومن تلك المحادثات أن مجيد أقترح على فارس أن تكون إجازته في كندا, فتقبل فارس الفكرة وأخبر أباه الذي لا يرد له طلب... بدأت تجهيزات فارس للسفر إلى كندا, تمكن من أخذ الفيزا والحجز للسفر, وحان موعد يوم السفر.................. وصلت الطائرة إلى مطار كندا بعد وقوفها في عدة دول, أخذ فارس جميع أمتعته ووقف في ساحة المطار يبحث عن مجيد, وأخيراً رآه من بعيد حتى اقتربا من بعضهما البعض: مجيد: أهلاً بصديقي وحبيبي فارس.. لم تتغير, كعادتك أنيق في ملبسك. فارس وهو ماسك بيد مجيد اليمنى وواضعا يده اليسرى على كتفه: يا لك من شقي.. وأنت لم تتغير يا مجيد. وهم في الطريق كلاٌ منهم يسأل الآخر عن أحواله, حتى وصلا إلى سكن مجيد فقررا أن يناما وفي الصباح يذهبون إلى أي مكان يريدان...... أشرقت شمس الصباح, لكنهما لم يستيقظا إلا بعد الظهر فالتعب كان كاسياً على بدنهما, تجهزوا للخروج والذهاب إلى أحد المطاعم الكندية. وفي المطعم.. ينظر مجيد إلى فارس بعد محادثة طويلة دارت بينهما قال: هل مازلت تتعرف على الفتيات أيها الماكر. _ بالتأكيد يا حبيبي فهذه هي هوايتي. _ وهل ما زلت مقتصرا على التعرف عليهن والتحدث معهن فقط؟ _ نعم, فهذا هو منهجي في ذلك ولن أغيره أبداً. _ إذا استعد في هذه الليلة وارنا مهارتك في جذب الآخرين ( قالها مجيد وكان يقصد فيها التحدي (. لم يكن فارس يهتم بتحدي مجيد, فقد كان واثقا من نفسه, ففارس شاب وسيم يتمتع بالاناقه فله ذلك الجسم المتناسق الطويل وذلك الشعر الأشقر الناعم الذي كان يغطي نصف حاجبه الأيمن فلم يكن يكتفي فارس بذلك الجمال فقد كانت عينه الواسعة العسلية مكملة لجماله. أما ما كان من طباعه فهو كان يحب أن يرتدي أفضل ما لديه من ملابس أنيقة وجميله فقد كان يهتم بمظهره بشكل كبير, ولكن إن أتينا إلى أخلاقه فسوف تعرفونها في قصتنا هذه. اقترب موعد التعارف بالأصدقاء الجدد,فارس كان طبيعيا فهو كان كعادته يلبس أفضل ما لديه فكما قلت سابقاً دائماً يظهر أناقته وجماله أمام الآخرين. كان فارس ومجيد يرتديان ملابسهما وهم على هذه الحالة قال مجيد لفارس: ما رأيك لو تظهر لنا بعض من هواياتك الجميلة الجذابة. نظر فارس لمجيد: وأي هواية تقصد؟ مجيد: أقصد عزفك على المزمار, فكما أعرف سابقا أنك بارع في النفخ على المزمار. وقف فارس أمام المرآة وهو يرتب شعره وقال: لم احظر المزمار معي.. هذا أولاً, وثانياً إن ما أريده هو أن أتعرف على أصدقاء جدد. إن ما قاله فارس في أن يتعرف أصدقاء جدد هو الحقيقة, ولكنه لم يكن صادقاً في قوله أنه لم يحظر المزمار معه فقد كان فارس يأخذ المزمار معه أينما ذهب في سفره فهو كان يتمتع بمهارة في العزف على المزمار. كان يشغل فراغه على المزمار, كان يجلس في مكان هادئ, ويعزف عليه بنغمات هادئة وجميله كان يتمتع بحس موسيقي كان يتلذذ عند نفخه على المزمار, كيف لا يتلذذ وهو كان يخرج ما في قلبه عن طريق نفخه على المزمار. قد يتعجب البعض منكم.. كيف لذلك الهم أن يسكن في ذلك القلب, أرجو من الجميع أن لا يرمي بأفكاره أمام عينيه وينظر إليها كيفما شاء............. ( عذراً لن أستطيع أن أخوض في شخصية فارس, فأنا من النوع الذي يحب أن يعرف بالشخصية ما بين سطور القصة ). وفي الطريق كان مجيد يحاول أن يعرف ماذا يدور في مخيلة فارس, فأحياناً يكون في صمت عجيب وكأن لا أحد من حوله ولكن يصعب على المرء أن يعرف فيماذا يفكر فارس. فقد كان فارس لا يحب أن يخرج ما في قلبه إلا للمزمار. حاول مجيد أن يهدم ذلك الصمت: _ هل أنت مرتبك؟ _ ومن ماذا أرتبك؟ _ لا.. فقط أحسست أنك مرتبك, وتفكر في كيفية جذبهم إليك. _ أنت تعرفني يا مجيد جيداً. نظر مجيد إلى فارس وابتسامة عريضة مرسومه على شفتي مجيد. وصل مجيد وفارس إلى المكان الموعود. بدأ الترحيب من الجميع على ضيفهم أو صديقهم الجديد, بدأ مجيد بتعريف فارس لهم وتعريفهم لفارس, لكن مجيد لا حظ شيء غريبا على فارس وكأن فارس يحاول أن يخفيه. بدأت تتعالى الضحكات ولكن فارس بقي ساكتاً وما كان عليه سوى الابتسامة للجميع, مجيد كان يراقب فارس متعجباً من صمته. وبعد أن هدأت الأصوات ضحك مجيد لوحده ونظر الجميع إليه متعجبين عن سبب ضحكات مجيد العالية والمفاجئة, سألته نرجس وعلامة الدهشة مرسومة عليها: ما الذي يضحكك يا مجيد؟ اختلطت ضحكات مجيد مع كلماته: تذكرت أحد أصدقائي وهو يحكي لي قصة حبه. عمار: ألهذه الدرجة قصته مضحكه؟ هدأ مجيد: نعم, عندما أتذكرها ينتابني الشعور بالضحك... ولكن هل يعرف أحدكم ما هو الحب؟ وما هو مفهومه؟ بدأ الجميع بتفسير الحب كما كان يسمعه أو كما كان يقرأه في الكتب أو يقول أي شيء في مخيلته, وفارس يستمع إلى كلماتهم والابتسامة مرسومة على شفتيه. نظر مجيد إلى فارس وقال: إني أرى ابتسامة عريضة على محيا فارس فهلا فسرت لنا ما هي هذه الابتسامة؟ فهم فارس ما كان يرمي إليه مجيد من ضحكته العالية ومن اختلاقه لقصة الحب المضحكة الخرافية, فقد كان يحاول أن يجعل فارس يتكلم مع الجميع ويريهم مهارات فارس في طريقة كلامه وانجذاب الآخرين إليه, فما على فارس إلا أن يتكلم ويجيب على أسئلة مجيد...... فارس: لا أظن أن بإمكان أحد أن يعّرف الحب بكلمات سمعها, إنما يكون تعريف الحب بتجسيده ومع ذلك لا يمكن أن يكون كاملا ً في تجسيده للحب. سأل ثامر: وكيف يكون تجسيد الحب. ابتسم فارس وقال: يكون التجسيد من شخصين, وذلك عن طرق كلامهما مع بعضهما البعض وفي نظراتهما لبعضهما البعض.. فكل ما على المرء هو أن يقول في الحب أنه جميل. نظر الجميع إليه باستغراب واندهاش مما كانوا يسمعون من كلام ومنطق, ومجيد كان مرسوماً على وجهه علامة النصر فقد كان واقفا شابكاً ساعديه إلى صدره حانياً رأسه إلى الأسفل ورافعا عينيه إلى فارس وقال: هل لي بسؤال يا أستاذ فارس؟ _ تفضل. _ هل يكون الحب دائما جميل؟ _ بالتأكيد لا يكون الحب دائما جميل, فقد يكون مذل لصاحبه, ويكون مذل لصاحبه إذا كان الحب من طرف واحد فهو يكون معذباً للإنسان ويجعله دائم التفكير مع نفسه.............. كان فارس كالأستاذ في الجامعة كان يلقي محاضرته والطلاب يلتقطون المعلومة, أستطاع فارس أن يجذبهم بمنطقه وكلامه المتزن ونظرات عينيه التي كان ينظر بها إلى الجميع, والجميع كانوا مستمعين إليه حتى نهاية كلامه وبعد أن أنهى فارس كلامه ألتف الجميع حوله وبدأ كل منهم يسأل سؤاله؛ لكن ذلك الجمع لم يدم طويلاً وذلك بسبب الكلام الجارح للقلب الذي خرج من فم حوراء التي كانت طوال الوقت ساكتة ولم تتكلم بأي كلمه: إياكم أن تصدقوا أي كلمة مما قاله, وعليكم أن تعرفوا أيضاً أن للحب ليس له مجال بيننا, وكلامه الذي قاله ليس له أية فائدة....... قطع كلامها فارس وفي كلامه نوع من الغضب: طوال الوقت كنت أنتظر منكِ كلمة واحده لعلها تفصح ما في قلبك.. والآن وأول لقاء بيني وبينك يتبين لي طبعك السيئ, ويجب عليك أن تعرفي وقبل أن أكمل كلامي أني صريح, فتحملي أي كلمة تخرج مني. _ ماذا تريد أن تقول لي, إياك أن تظن أني أصدق وأتقبل أي كلمة تقولها. _ لا أطلب منك أن تصدقي أي كلمة أقولها أو تتقبلينها فأنت حرة, ولكن لا يمكنك أن تتحكمين بغيرك بأن تطلبي منهم أن لا يصدقوا كلامي فهم أحرار. أستطاع فارس أن يحاصرها في زاوية النقاش ولم تستطع أن تخرج منها إلا بعد أن قررت أن تعود إلى شقتها ومعها نرجس التي كانت تشاركها في الغرفة وفي أغلب حياتها. لكن فارس لم يهدئ له بال بل بقي يفكر كيف لفتاة مثل حوراء أن تتكلم بهذه الطريقة...... وصل مجيد وفارس عند باب الغرفة ووضع مجيد يده في جيبه الأيسر ليأخذ مفتاح الشقة وقال: ما رأيك فيما حدث هذا اليوم؟ _ لم أهتم لأي شيء. _ كيف لم تهتم وأنا أعرفك جيداً. _ أعتقد أن حوراء عاشت حياة غريبة وعجيبة. _ وكيف ذلك؟ _ هل حوراء دائما معكم بهذه الطريقة... أَيّ, هل تتكلم معكم بهذا الأسلوب دائماً؟ _ إن حوراء تبقى ساكتة طوال الوقت ولا تحب أن تتحدث مع أحد ولا يحب أحد منا أن يتكلم معها, ولكن إن تحدثت, تتحدث وكأن لا شيء يعجبها. _ وهل أحد منكم حاول أن يعرف سبب ذلك؟ دخل مجيد وفارس إلى الشقة واستلقى مجيد على سريره وجلس فارس على الكرسي القريب من النافذة. نفخ مجيد نفخه قويه وقال بعدها: كيف يمكن لأحد منا أن يناقشها في شيء وهي لا تحب الحديث مع أحد. بقي فارس على الكرسي مسنداً رأسه على مؤخرة الكرسي, فكر فارس بأن يكسر تكبرها وعنادها.. ولكن كيف؟. وبقى على حالته حتى قبل شروق الشمس بقليل, وبعدها راح إلى سريره ونام. _ أستيقظ يا فارس فإن الشمس انتصفت في السماء والكل ينتظرنا على الغداء. _ دعني أنم قليلاً, فإني نمت متأخراً. _ أعلم ذلك فلهذا لم أوقظك من النوم في الصباح الباكر, فأنت دائم التفكير إن حدث أمر يخالف تفكيرك. تحرك فارس من على سريره وذهب إلى دورة المياه ليغسل وجهه, وبعد أن أنهى ذلك خرج من دورة المياه وجلس على سريره وبدأ يمسح وجهه بالمنشفة التي كانت على كتفه, رآه مجيد وقال: أرجو أن تسرع وترتدي ملابسك بسرعة. ارتدى فارس ومجيد ملابسهما وذهبا إلى مكان اللقاء... وقبل نزولهما من السيارة قال مجيد: أريد أن أسالك سؤالً وأرجوا أن تجيبني عليه بصدق. فارس: ما هو؟ ألتفت مجيد إلى فارس وقال: هل أنت معجب بها؟ فارس: أنا معجب!!.. وبمن أُعجب؟ ( قالها والتردد واضحا عليه ) مجيد: هل أخبرتك سابقاً بأنك لا تعرف التمثيل. _ بدأ فارس باللعب بأصابعه وكأنه كان يحاول أن يبحث عن كلمات تعبر عما فيه: ..لا ينكر أحد منا بأنها تمتلك جمالاً عجيباً, فلها ذلك الشعر الأسود الطويل الكثيف وبشرتها البيضاء وعيناها الواسعتان السوداوات, حقاً لديها ذلك الجمال الساحر, ولكن هل أنا معجب بها.. لا أعلم. _ أعرفك جيداً لن تجيبني بشيء, فالأيام هي التي سوف تجيبني. نزل فارس ومجيد إلى المطعم, وكان صاحب العزيمة هو ثامر, دخلا المطعم والجميع كان حاضرا.. امتلأت الطاولة بالمأكولات الشهية, والجميع كان يستمع إلى مجيد فقد كان مجيد يتمتع بكوميديا جميله حيث أنه كان يرسم البسمة على شفاه الجميع, وفارس تارة ينظر إلى مجيد وتارة ينظر إلى حوراء لكن حوراء لم تكن تكترث بنظرات فارس.. أنهى الجميع طعامه, وقبل أن يتحرك أحد من مكانه وقف فارس وقال للجميع بصوت مسموع: في هذه الليلة الجميع معزوم على العشاء. حاول الجميع أن يلغي ذلك بسبب أن فارس حتى الآن لم يكمل الأسبوع معهم والمفروض بأنهم هم الذين يقومون بهذه العزيمة, لكن فارس أصر على ذلك وكأنه يخطط لشيء, وافق الجميع على طلب فارس بعد إصراره الشديد. ذهب الجميع ليغسل يده بعد تلك الوليمة الكبيرة. أتخذ المطعم إحدى زواياه جلسات للزبائن بعد انتهائهم من الطعام, وهذا ما حصل لأصدقاء مجيد, أنهوا طعامهم وأخذوا لهم مكاناً للجلوس فيه. جلس فارس بجانب نرجس والجميع كانوا لاهيين مع بعضهم البعض فاستفاد فارس من ذلك الموقف وبدأ يسأل نرجس عن حوراء ونرجس تحاول أن تتهرب من أسئلة فارس. وكان الحوار هو _ بما أنكِ أقرب شخص لحوراء!! هل يمكنني أن أسألكِ بعض الاسئله. _ تفضل؟ _ هل انزعجت حوراء مما دار بيننا بالأمس؟ _ حوراء لا تخبرني بكل شيء. _ وهل يمكنك أن تخبرينني عن ماذا تخبرك حوراء؟ _ لا أستطيع.. أرجوا أن لا تسألني مرة أخرى ( قالتها وفي وجهها رسومات الارتباك ). _ واضحا من كلامك أنك تخافين من حوراء. _ لست خائفة!! ولكن لا أحب أن أتكلم عن أحد. _ ما رأيك لو تقابلنا بعيداً عن رفاقكِ. ( تبين من ملامح نرجس أنها أُعجبت بالرأي ) _ ( أكمل فارس كلامه ) هناك مقهى قريب من سكن الطلاب والطالبات فهل يمكنك أن تأتي هناك؟ هزت نرجس رأسها بالموافقة. وكان مجيد يراقبها وبعد أن أحس بأنهما أنهيا حديثهما أقترب من فارس وهمس في أذنه وقال: في ماذا تفكر أيها الماكر. أدار فارس عينيه جانباً حيث كان واقفاً مجيد وقال بصوت خافت: انتظر وسوف ترى الفلم مع بدايته. أنتظر فارس وقت لقائه مع نرجس, حيث كان وقت اللقاء قبل وقت عزيمة فارس...... وأخيراً حان موعد اللقاء, ذهب فارس إلى المقهى الذي تواعد فيه مع نرجس وجلس على إحدى الطاولات, كان ينتظر نرجس بفارغ الصبر؛ وصلت نرجس وجلست على الكرسي الذي كان يقابل فارس .... وصلت نرجس وجلست على الكرسي الذي كان يقابل فارس .... ارتمت في مخيلة نرجس الكثير الكثير من الاسئله.. ماذا يريد أن يعرف عن حوراء؟ ولماذا أنا التي أصر أن يعرف مني كل شيء عن حوراء؟ إلى ماذا يريد أن يصل؟.. وغيرها من الاسئله الكثيرة. نظر فارس إلى عينيها ووجد فيها الخوف والارتباك, فقاطع تفكيرها وقال: أنت الوحيدة يا نرجس التي تعرف الكثير عن حوراء. نرجس وهي مترددة: ولكن لا أعرف ماذا تريد أن تعرف عن حوراء. تنفس فارس الصعداء وقال: هل هناك ما يزعج حوراء لكي تفكر فيه دائماً؟ حاولت أن تخفي شيئا من ملامحها: لا أظن ذلك. أسند فارس ظهره إلى الكرسي: هل يمكنك أن تخبرينني عن الحقيقة؟ نظرت نرجس إلى فارس باستغراب, كيف يمكنه أن يتكلم معها بهذه الطريقة.. وقفت نرجس من مكانها وأرادت أن تذهب. قال فارس وهو غير مهتم لتصرف نرجس: يمكنك الذهاب ولكن يجب عليك أن تعرفي أن هذه الليلة إن لم تأتي سوف يتعجب الجميع وأن سألوا عنك فسوف أجيبهم بأنك خنتي صديقتك حوراء, فسوف تكون هذه الليلة هي آخر ليلة لك أنت مع حوراء.. وأن آتيتي فسوف أقول لحوراء أنك قلت لي كل شيء عنها, وأنت تعرفين ماذا سيحدث. جلست نرجس على كرسيها, والغضب مرسوم عليها: ماذا تريد مني؟ فارس: لا أريد منك شيئا, فقط كل ما أريده هو أن أعرف بعض الأمور عن حوراء, وإياكِ أن تظني بأني أستغلك في شيء وإنما أريد أن أعرف ما مشكلة حوراء. قالت نرجس وفي نبرتها نوع من الغضب المكتوم: وما شأنك أنت في حوراء. بدأ يتمسكن فارس في كلامه: لا أحب أن أظهر ما في قلب لأي أحد ولكن بما أنك صديقة حوراء الوحيدة فسوف أخبرك ولكن بشرط. نرجس: بشرط!!.. وما هو ذلك الشرط؟ فارس: أن لا تخبري أحداً بهذا الأمر.. ( هزت نرجس رأسها بالموافقة وكأن فارس أقنعها بتمثيليته.. تابع فارس كلامه قائلا ), في الحقيقة يا نرجس؛ إني بصراحة أحب حوراء. نظرت نرجس إلى فارس متعجبة مما قاله فارس قالت نرجس بعد سكوت بقي عدة ثوان: وما هو المطلوب مني؟ أحس فارس بالنصر, فاغتنم الفرصة وقال: ما هو سبب سكوت حوراء الدائم وعصبيتها المفاجئة؟ هل لديها مشاكل خاصة؟ أجابت نرجس وهي مترددة: سأقول لك كل ماتريد ولكن أرجوا منك أن لا تخبر أحد بهذه الأمور وبالأخص حوراء نفسها. فارس: لا عليك قول لي كل شيء ولن أخبر أحد بالأمر. تنفست نرجس الصعداء وقالت: حوراء هي البنت الوحيدة لوالديها, عاشت معها في بداية عمرها أحلا لحظات حياتها ولكن فجأة انقلبت عيشتها رأساً على عقب, فلم تكن تعلم ما سبب شجار والديها المتكرر, فكل ما كانت تسمعه منها هو اعتلاء أصواتها في أرجاء المنزل؛ حتى وصل بهما الأمر إلى الطلاق, و حوراء كان عمرها في ذلك الوقت سبع سنين. بقيت حوراء عند والدتها التي تزوجت بعد طلاقها من أبيها بسنه واحده, ترعرعت حوراء على صراخ زوج أمها, وذلك لكرهه لها, بقيت حوراء عند أمها وزوج أمها لمدة ثلاث سنوات وبعدها قررت أن تعيش مع والدها الذي كان بين فترة وأخرى يزورها. أخبرت أباها بأنها تريد أن تعيش معه, حاول والدها إقناعها بأن تعيش مع والدتها ولكنها أصرت أن تذهب مع والدها, ولكن والدها فاجئها بأنه متزوج ولديه أطفال من زوجته, ومع ذلك أصرت حوراء أن تعيش مع والدها, أقتنع والدها بالأمر وأخبر زوجته. عاشت حوراء مع والدها منذ أن كان عمرها عشر سنوات ولكنها لم ترتاح وذلك لسبب إزعاج زوجة أبيها لها, فكانت دائما تخلق معها المشاكل. ولكن حوراء كانت تقول بأن هذه المرأة أفضل من زوج أمها, حتى تمكنت من إكمال دراستها في كندا بعد أن كان أبوها يرفض ذلك باستمرار. هذا هو سبب سكوتها الدائم. تكلم فارس بعد أن سمع قصتها: وهل تذهب إلى بلادها لزيارة والديها؟ نرجس: نعم.. فهي تذهب بين فترة وأخرى وهي كارهة لذلك. فارس: شكراً لك يا نرجس فلن أنسى لكِ هذا الجميل أبداً. ذهبت نرجس وبقي فارس على طاولته يفكر فيما قالته نرجس عن حوراء... يا لهذه المسكينة؛ كيف تمكنت من العيش مع هؤلاء الناس, فمثل هذه الفتاة لا يمكن أن تعيش في أجواء مثل هذه فالأفضل لها أن تعيش بين فرح وسرور يجب علّي أن أزرع الابتسامة على شفتيها. أنتبه فارس لكلامه.. ( قالها بتكبر ) كيف يمكنني أنا لن أزرع الابتسامة على شفتيها فهي لا تستحق ذلك, فهي التي رفعت صوتها علي, فلن أسامحها حتى أتمكن من كسر شوكتها. عاد إلى الشقة وكان مجيد بانتظاره, وعند دخوله كان راسم الابتسامة على شفتيه, وكأنه جندي عاد من حربه وهو رافع راية النصر. نظر إليه مجيد وقال: أهلا بالفارس الملثم, كيف كان انتصارك في الحرب؟ فارس.. والابتسامة على محياه: سوف ترى النصر بأم عينيك في هذه الليلة. مجيد: وماذا تريد أن تفعل؟ ألقى فارس نفسه على السرير وقال: كم هي الساعة الآن؟ نظر مجيد إلى الساعة: إنها تشير إلى الساعة الثامنة والنصف. فارس: إذا علينا أن نجهز أنفسنا للعزيمة في هذه الليلة. قام فارس من على السرير ليجهز نفسه, ومجيد ينظر إليه متعجباً مما يراه......... وصل فارس ومجيد إلى المطعم قبل وصول الجميع, كان مجيد خائفاً مما سيفعله فارس من مفاجئات فقد اتخذ احتياطاته لكي يجعل فارس ينسى كل شيء, فقد احظر معه مزمار فارس الذي وجده في حقيبته..... أما فارس فالابتسامة لم تفارقه منذ أن وصل إلى المطعم. وصل الجميع إلى المطعم في وقت واحد ولكن كانت هناك مفاجئة عند وصولهم, فقد حجز فارس غرفه كاملة لكبار الشخصيات؛ التي لا يأخذها إلا شخص كبير في المجتمع. أستقبلهم فارس ورحب بهم والجميع مبهور مما يراه, بعد أن جلسوا دقائق معدودة مكسوة بالضحكات والابتسامات والمجاملات رحب بهم فارس ومجيد على طاولة العشاء, وما إن رأوا طاولة العشاء الذي لم يبقى من الطعام شيء إلا وقد أحظر لهم؛ والكل ينظر وهو مبهور, ويأكل وهو مبهور؛ أما مجيد فكانت عينه تراقب فارس خوفا من أي مقدمه يقدم عليها فارس. انتهى العشاء على خير, وجلسوا بعد العشاء يتسامرون. أحس مجيد بأن نظرات فارس مرتكزة على حوراء........ أرجوا من الجميع أن يسمعني قليلاً. ناصر: وماذا تريد يا مجيد؟ مجيد: سوف يكرمنا فارس بشيء جميل جداً ( أخرج مجيد مزمار فارس ) نظر الجميع إليه والكل يسأل؛ ما هذا؟ مجيد: إن فارس لديه موهبة أحببت أن يمتعنا بما لديه من مهارة في عزفه على المزمار. ومد يده التي فيها المزمار إلى فارس ليأخذ المزمار منه, نظر فارس إلى عيني مجيد فعلم ما يدور في عقل مجيد, فأخذ المزمار ووضعه على فمه وأغلق عينيه ومد المزمار إلى ناحية اليمين... أخرج منه أعذب الألحان, صوت شجي, يلتقطه من في قلبه حس.. حس المحبة.. حس الغرام.. حس الآهات.. حس الألم.. كان الجميع ينظر إلى فارس وكأنه ساحرٌ يتفنن في سحره, لكنه لم يسحرهم بأعينهم فقط بل سحرهم بروحهم, بحواسهم.... أنهى فارس عزفه, صفق له الجميع, ارتمت عليه أنواع المديح والثناء. ناصر: ما هذه المقطوعة يا فارس؟ فارس: كان أحد أصحابي مهموما من بيت أهله, حيث أن أمه وأباه كانا في شجار دائم فقد كان يأتي إلي لكي أريحه بهذه المقطوعة, فإن كان أحداٌ منكم لديه همومه مع أهله فليأتي إلي ( كان كلامه كله موجه لحوراء ). وقفت حوراء: يمكن لأي مبتدأ أن يفعل أفضل من هذه المقطوعة. قام فارس من مكانه واقترب من حوراء وهمس في آذانها: إن أردت أن اعزف لك مقطوعة أخرى فأنا في خدمتك فأنت أحوج من غيرك لمثل هذه المقطوعة. أحست حوراء وكأنه يقصد شيئا ما, نظرت حوراء إلى نرجس بنظرة غريبة وأخذت حقيبتها وذهبت. أما نرجس المسكينة فقد كانت خائفة مما كان يدور في عقل حوراء. حاول مجيد أن يلطف الجو العكر الذي حل على الجميع بعد خروج حوراء من بينهم, بدأ يقص عليهم القصص المضحكة. أما نرجس فكان تفكيرها كله لحوراء فقد كانت تفكر نرجس عن سبب نظرات حوراء الغريبة قبل خروجها. أما فارس فكان أغلب وقته يراقب نرجس حتى تحرك من مكانه واقترب منها وقال: يمكنك الذهاب. نظرت نرجس إلى فارس ثم استأذنت الجميع وذهبت, وصلت عند باب الشقة, فتحت الباب, اتجهت إلى الغرفة ودخلتها, رأت حوراء وهي واقفة أمام النافذة, سألتها نرجس: حوراء.. مالذي جعلك تذهبين بسرعة؟ ألتفتت حوراء إلى نرجس, وعيناها تشتعلان غضباً, اقتربت من نرجس, رفعت يدها ولطمت نرجس ثم خرجت من الشقة. بقيت نرجس في الغرفة واضعة يدها على خدها, اتجهت إلى سريرها وجلست عليه... مسكينة أنتِ يا نرجس, قد يظن البعض بأنك حمقاء, وأنا أقول لكم بل قلبها طيب وهذا ما جعلكم تظنون بأنها حمقاء, فأن نرجس كانت تفكر أن ما قاله فارس لها هو الحقيقة.. فهي تظن بأن فارس حقاً يحب حوراء ويريد أن يبعد عنها الهم الذي في قلبها, ولكن تبين لها العكس, بأنه يريد أن ينتقم, والضحية هي نرجس. مرت أيام على نرجس وحوراء ولم يراهما أحد والجميع خائفون عليهما, قررا أن يزورانهما وفارس لم يكن يهتم, فهو فرح بأنه حقق ما كان يريد. حددوا وقت للذهاب لهما, حان الموعد تجهز الجميع وذهبوا. طرقوا الباب عدة مرات, فُتح الباب. نرجس: أهلا بكم جميعاً تفضلوا. دخل الجميع وهم يسألون عن حوراء. أتت حوراء ولكن وجلست معهم. سأل ثامر: ما بكما.. أُنظرا إلى حالكما فقد تغيرتما كثيراً. نرجس: لا شيء. قامت حوراء لإحضار بعض الطعام لأصحابها. بقي الجميع عندهما, حتى تأكدا بأنهما لم يحدث لهما شيء. لكن في قرارات أنفسهم هم متأكدين أن هناك شيء بينهما. ذهب الجميع إلى منازلهم. نظر مجيد إلى فارس رأى أنه غارق في التفكير, سأله مجيد عن السبب, لكن فارس لم يجب وذلك لأنه لم يسمع سؤال مجيد, فقد كان فارس يفكر في شيء ما, اقترب منه مجيد ووضع يده على كتف فارس وأعاد عليه السؤال. فارس: ليس هناك شيء. مجيد: كيف ذلك.. فأنت لم تسمعني عندما سألتك في المرة الأولى, وأظن أن هذا الشيء مهم لجعلك تفكر فيه بهذه الطريقة. تمدد فارس على السرير: لا أعرف يا مجيد ماذا أقول لك ولكن أحسست بأني فعلت شيئاً عظيما. جلس مجيد عند رأس فارس: وما ذلك الشيء؟ فارس: لا يمكنني أن أقوله لك, فإن قلت لك فإنني سوف أزيد الشيء على الشيء. مجيد: لم أفهم ما تقول. فارس: فلذلك دعني وشأني. يا ترى مالذي حدث لفارس.. هل يفكر في حال حوراء ونرجس؟ هل ندم على ما فعله معهم؟... أم أنه يريد أن يكمل انتقامه مع حوراء أم..................... استلقى فارس على سريره.. لا أعتقد بأن فارس قد نام في تلك الليلة, إن قًلنا بأنه نام فقد كان نومه متقطع... أشرقت شمس الصباح, تحرك من مكانه وغير ملابسه وخرج, دخل المصعد الآلي وبدأ المصعد بالنزول, وفجأة وقف المصعد في إحدى الأدوار, فُتح باب المصعد وإذا بها حوراء, كلٌ منهما ينظر إلى الآخر, استجمعت حوراء قواها وحاولت أن تخفي ارتباكها ودخلت إلى المصعد, أغلق المصعد بابه, وكلٌ منهما ينظر مرة إلى الأعلى ومرة إلى الأسفل, وذهبا بأفكارهما بعيداً, ولكن ما تلك الأفكار؟.. بالنسبة لي, لا أعلم.. فيمكنكم أنتم أن تفكروا بما كانوا يفكرون فيه, وصل المصعد إلى الدور الأرضي, اتجها إلى خارج السكن, أتجه كل منهما عكس الآخر, وقف فارس ونادى بحوراء لم تتوقف حوراء وكأنها لم تسمعه, هرول فارس باتجاه حوراء حتى أقترب منها وهو يناديها وهي تتجاهله حتى مسك يدها, وقفت حوراء وقالت والدموع على خديها وفي صوتها نوع من الحرقة: ماذا تريد أكثر مما فعلته بي؟ هل تريد أن أبتعد عن الجميع كما أبعدتني عن صديقتي الوحيدة؟ وقف فارس وهو ينظر إلى حوراء ولم يعرف ماذا يقول لها.. تابعت حوراء كلامها والدموع تسيل: ها أنت علمت ما في حياتي من هم وغم, وهل تريد أن تزيد علّي همومي أكثر مما هي عليه؟. عادت حوراء إلى الشقة والدموع تتطاير في الهواء, وصلت إلى الشقة أغلقت الباب واتجهت إلى حوراء وصرخت في وجه نرجس: لماذا قلت له عني كل شيء؟ مالذي فعلته لك؟ بك نرجس معها ومشت إلى حوراء ولمتها إلى صدرها والحزن خيم في المكان, وهما على هذه الحال سمعا صوت آت من الخارج وكأنه قريب من باب الشقة... نعم إنه صوت جميل, صوت حزين, يخرج من أعماق القلب ويصل إلى القلب, إنه صوت مزمار فارس, فقد جلس فارس عند باب الشقة وأمسك بمزماره وبدأ بالعزف, هاهو كعادته يخرج ما في قلبه عن طرق المزمار والعزف عليه, خرج الجميع من غرفهم الذين كانوا قريبين من غرفة نرجس وحوراء, وبدأو ينظرون لذلك الشاب الذي جسد المقطوعة على أجمل صوره.. في جلوسه.. في انسجامه مع المزمار, وكأنه يتحدث معه. وقف فارس عن العزف, وسبب ذلك أنه أحس بحركة عند باب نرجس وحوراء من الداخل. لقد جلست حوراء عند الباب واستندت عليه. أكمل فارس عزفه ولكن هذه المرة لم يكن يعزف على المزمار ليخرج ما في قلبه, فقد كان عزفه على المزمار هو خطاب لحوراء............. يا ترى ماذا كان يقول لحوراء؟......... سؤال حير عقلي كثيراً, ولم أجد له إجابة؛ قد يكون عند البعض منكم إجابة يمكن أن تزيح التساؤل عند الجميع, ولكن لن أطلب من أحدكم أن ينقل إجابته إلينا, بل سوف نطلب الاجابه من أبطال قصتنا هذه, أو سوف تكون الاجابه ما بين أسطر القصة, فتابعوا بدقه....... أنهى فارس عزفه على المزمار, وقف على قدميه ووضع يديه في جيبه ونكس رأسه إلى الأرض, وعاد إلى الشقة, وسأله مجيد عن حاله. تمدد فارس على سريره وقال: لا أعرف يا صديقي, كل ما أستطيع أن أقوله لك أني أحس بِهَم كبير في قلبي, وكأن جبال الدنيا استندت علّي. قال مجيد في نفسه: ( عجيب!!.. هذه أول مرة أرى فارس على هذه الحال) ثم خاطب مجيد فارس قائلاً: هل هناك ما يزعجك إلى هذه الدرجة؟ فارس: نعم. مجيد: هل هناك شيئاً بينك وبين حوراء؟ هز فارس رأسه مشير بالإجابة بنعم. مجيد: هل قالت لك شيئاً يزعجك؟ فارس: كنت أتمنى لو أنها هي التي ضايقتني بشيء, فأنا الذي هدم حياتها, وقلبها رأساً على عقب. مجيد: فارس.. هل يمكنك أن تجيبني على سؤالي. فارس: وما هو؟ مجيد: هل تحب حوراء. فارس: نعم. مجيد: إذا لماذا لا تخبرها بذلك, وسوف تتغير الأحوال بينكم. بقي فارس يفكر, هل يمكنه أن يخبرها عن حبه لها أم يبقى صامتا على حالته والأيام هي التي تخبرها بذلك..... مرت أيام وفارس لم يخرج مع مجيد إلى أصحابه, فقد بقي في الشقة يفكر في حاله, لماذا فعل ذلك, ولم يكن فارس نادماً فقط فيما فعله مع حوراء بل كان نادماً فيما فعله مع أي فتاة في السابق, حتى عاد مجيد في ليلة من الليالي وقال له: هناك من يسأل عنك. لم يهتم فارس: ومن الذي يسأل عني. أجاب مجيد وكان يعتقد بأن فارس سوف يفرح كثيراً: حوراء. فارس: لماذا تسأل عني وأنا الذي زرعت التعاسة في قلبها. مجيد: ولكنك يا فارس لم تراها وهي تسأل عنك, فقد كانت خجلة, فأصبحت فتاة أخرى منذ أن أتيت إلينا. فارس: أتمنى لها السعادة الدائمة. مجيد: ولكني لن أستطيع أن أذهب إليهم. فارس: ولماذا؟ مجيد: لأنها قالت لي لا تأتي هذه المرة إلا وفارس معك. فارس: دعني أفكر قليلاً........ قام فارس من مكانه وخرج, واتصل مجيد على حوراء واخبرها بأن فارس خرج وهو متضايق. نعم لقد خرج فارس وهو متضايق من نفسه, يفكر فيما كان يفعله سابقاً؛ وهو على هذه الحال لم يرى نفسه إلا وهو أمام بحر يلطم الصخور, ومع ذلك الهواء البارد وضع فارس يده في جيبه الأيمن وأخرج علبة من السجائر وأخرج منها عودا ووضعه في فمه وأشعله وأخذ منه نفساً عميقاً ورفع رأسه إلى الأعلى ونفخ نفخه قوية, تحركت سفينة الخيال عند فارس في ذلك البحر العميق, والدخان يتصاعد إلى الأعلى. لم يعتد فارس على شرب الدخان ولكن الهم غلبه وجعله يمسك بالدخان ووضعه في فمه. كانت حوراء تراقبه من بعيد, اتجهت حوراء إليه وعندما وصلت إليه أخذت من يده السيجارة ورمتها إلى البحر. نظر فارس إليها وقال لها: ماذا تريدين؟ حوراء: الإنسان ليس معصوماً من الخطأ, ويمكنه أن يعود إلى صوابه. فارس: شكراً لك على النصيحة, والآن يمكنك أن تذهبي. حوراء: ولكني لا أريد الذهاب. فارس: إذا أنا من سيذهب. حوراء: لا لن تذهب, بل ستبقى وتسمع مني كل كلامي.. تنفست حوراء الصعداء وقالت: كما علمت سابقاً بأني صغيرة عندما انفصل أبي عن أمي وكلاً منهما أخذ طريقه, وبقيت أنا وحيدة لغدر الزمان؛ وعشت مع أمي ومن ثم انتقلت في العيش مع أبي, ولكني لم أرتح في العيش معهم, وأصبحت أحس بأن الناس جميعهم لا يمكنني أن أثق بهم,وأصبحت أكره الحديث مع الناس, حتى وجدت نرجس وبدأت أثق بها, وأخبرتها عن حياتي وقالت لن تخبر أحدا أبداً, ومع ذلك كنت لا أحب الحديث مع الناس. فارس: ولكن ليس جميع الناس لا يمكن الوثوق بهم. حوراء: كلامك صحيح. فارس: عجباً.. هذه أول مرة تقولين بأن كلامي صحيح. ابتسمت حوراء وقالت: كنت أكره أي شخص يأتي إلى أصحابي. أما بالنسبة لكلامك يمكنني أن أقول بأن أغلب كلامك صحيح. نظر فارس إلى حوراء وقال: هل تسامحينني على ما فعلته لك؟ حوراء: لا.. لن أسامحك حتى تسمعني عزفك على المزمار. فارس: ولكني لم أحظره معي. حوراء: غداً يجب عليك أن تحظره. فارس: بالتأكيد سوف أحظره. عاد فارس وحوراء إلى السكن وعادت المياه إلى مجاريها.......... دعونا نسرد القصة وكأنها في بدايتها. عاش فارس في الماضي حياة الأشقياء من سهر والتعرف على الفتيات, أما بالنسبة لحوراء فقد كانت تكره وتشمئز من الناس وذلك بسبب ماضيها الملون باللون الأسود, ولو أننا التفتنا إلى نرجس وعلاقتها مع حوراء فقد كانت علاقتهما عجيبة حيث أن حوراء تثق بنرجس وتأمنها بكل شيء؛ وبعد أن تعرف فارس على حوراء تغيرت حياتهما وخصوصاً بعد أن كانا عدوان لبعضهما البعض. لا يمكنني أن أصف لكم كيف كان تغير حوراء الكبير, حتى أن أصدقائهم لا حظوا ذلك التغير, أما بالنسبة لنرجس فقد كانت فرحه لتغير حوراء؛ فقد كانت حوراء تعتبر نرجس هي السبب الأساسي لعلاقتها بفارس. ولو أننا نتمكن ونتعمق قليلاً في حياة فارس وحوراء بعد التغير لتمكنا من توضيح بعض الأمور الجميلة, ولكن مع ذلك سوف أذكر لكم كل ما أستطيع أن أعبر عنه بأجمل صوره . ففي ذات يوم كان الجميع مجتمعاً, وكلٌ منهم يلقي كلمته ( سالفته ) إلا فارس وحوراء كانا يتكلمان لوحدهما, كانا ينظران إلى بعضهما البعض, حتى ألتفت أحد الجالسين وقال: هل يمكنكما أن تشاركانا الحديث. قالت أخرى: لا يمكنهما ذلك. قال فارس: كنت أود أن أتحدث معكم ولكني لا أملك نفسي ( وكان يقصد بأن حوراء هي التي تمتلكني ) أحمر وجه حوراء وقالت: أكملوا حديثكم فنحن معكم. وفي يومِ من الأيام أقترح أحدهم أن يذهبوا في رحلة إلى إحدى جزر كندا, فوافق الجميع على هذه الفكرة, فبدأ الجميع بالاستعداد وكلٌ منهم قام بتجهيز العمل الموكل عليه, واستأجروا قارباً ليوم الرحلة, حتى أتى ذلك اليوم وركب الجميع القارب إلا شخص واحد لم يأتي وهي حوراء فقد تأخرت عليهم, وإذا سألوا نرجس عنها تقول وهي مبتسمة بأنها سوف تأتي. لكن فارس كان قلقً على حوراء كثيراً, وبعد طول انتظار قرر أن يذهب ويراها؛ ولكن توقف عند نزوله من القارب, فإن ما أوقفه هو رؤيته لحوراء وهي قادمة فقد كان يراها كالقمر المنير والجميع تعجبوا مما كانوا يرون إليه فهم لم يعتادوا على رؤية حوراء على هذا الشكل الجميل؛ اقترب فارس من حوراء وأمسك بيدها وساعدها في الصعود على القارب, أستمتع الجميع في طريقهم إلى الجزيرة, وصل القارب, وأنزل الجميع أمتعتهم, بدأت الشمس بالغروب, أشعلوا النار واستدار الجميع حولها, ومع ذلك بقي فارس وحوراء يتكلمون لوحدهم, حتى قال مجيد لفارس هل يمكنك أن تقول لنا ما تقوله لها. نظر فارس إلى الجميع وقال: إن ما أقوله لها لا يمكن أن ينطبق عليكم. قالت سوسن: ولكن نريدك أن تسمعنا ما تقوله لنا. لف فارس جسمه باتجاه حوراء وقال مقطعاً من قصيدة نزار قباني وهي: ذات العينين السوداويين ذات العينين الصاحيتين الممطرتين لا أطلب أبدا من ربي إلا شيئين أن يحفظ هاتين العينين ويزيد بأيامي يومين كي أكتب شعرا في هاتين اللؤلؤتين قال مجيد: لم أتذكر يوماً أنك تقرأ الشعر. فارس: قد لا أقرأ الشعر كثيراً ولكن أحيانا يجب على المرء أن يعبر عن مشاعره وإحدى طرق التعبير عن المشاعر هي قراءة الشعر. سوسن: هل أحظر المزمار معك؟ فارس: بالتأكيد سوسن: وهل يمكنك أن تعزف لنا قليلاً. فارس: لن أعزف حتى تأمرني حوراء بذلك. بدأ فارس بالعزف على المزمار. كنت أتمنى لو أنني أستطيع أن أُسمعكم شيئاً من عزف فارس, وإن سمعتم شيئاً من عزفه لأدركتم ما كان يعيشه أصدقائنا في تلك اللحظة, وخصوصاً بأن تلك الليلة كانت ليلة هادئة وجميله, فقد كان الجميع مجتمعين حول تلك النار الدافئة وعلى تلك الألحان الساحرة. كانت تلك السهرة سهرة جميله, لم تمر على أحد منهم, حتى نام الجميع بعد ذلك التعب الذي حل عليهم... بات الجميع في تلك الجزيرة عدة أيام ومن ثم عادوا إلى السكن. حقاً كانت ليالي جميله وأعتقد أن الجميع يتمنى لو أنه يعيشها حتى ولو ليوم واحد, ولكن كانت هناك مفاجئه لحوراء من فارس. كما قلت لكم كانوا يعيشون حياة جميله وبالأخص فارس وحوارء ولكن هناك كلام يدور في قلب فارس ويجب عليه أن يخبر حوراء, مرت الأيام والكلام مازال يدور في قلب فارس حتى قرب من نهاية عطلته في كندا الذي أمضى فيها ثلاثة أسابيع تقريباً.. استشار فارس مجيد هل يخبرها بهذا الأمر أم يتركها كما هي, ولكن مجيد أخبره بأنه يجب عليك أن تخبرها بكل شيء. ذهب فارس عند شقة حوراء ونرجس وطرق الباب خرج له حوراء وهي تقول: كنت متوقعة أنك أنت الطارق. فارس: حوراء.. هناك شيء يجب أن أقوله لكِ حوراء: هل هناك شيء. فارس: لا اعرف كيف أبدأ بالموضوع. حوراء: قل كل ما تريد. فارس: حوراء أنا لا أحبك. نظرت حوراء إليه وهي متعجبة بما نطق به: فارس إياك أن تمزح معي بهذه الطريقة. فارس: صدقيني يا حوراء أنا لا أمزح معكِ, فأن كل كلمة قلتها لكِ لم تكوني أنت المقصودة, وإنما كنت أحب فتاة تشبهك تماماً ولكن الزمان لم يترك لي أجمل ما أملك فقد توفيت في حادث سير وكنت أحبها كثيراً فلذلك حاولت أن أكون معكِ بحكم أنك تشبهينها. حوراء: وماذا عني أنا. فارس: أنت.. أنت يا حوراء أي شاب يتمنى الارتباط بكِ, فيمكنك أن تختاري أي شاب تحبينه ويحبك.. فأرجوا أن تعذرينني. بقيت حوراء ساكتة حتى أنها فارس كلامه ولكن كان ردة فعلها أنها رفعت يدها ولطمت فارس على وجهه, تعجب فارس مما فعلته حوراء وعاد إلى شقته. دخل فارس الغرفة ومجيد ينتظر فارس كي يخبره بما حدث. وعندما رأى مجيد فارس سأله بما فعله مع حوراء. فارس: سوف يتبين ردة فعلها قبل سفري. أما حوراء دخلت الغرفة والدموع على خديها, ورمت نفسها على السرير, سمعت صوتها نرجس وذهبت إليها وسألتها عن سبب بكائها. قالت حوراء والدموع على خديها: فارس.. فارس كان يكذب علي. نرجس: وبماذا كان يكذب عليكِ. حوراء: كان دائما يقول لي أنه يحبني ولكن الآن يأتي ويقول لي لم أكن أحبك. تعجبت نرجس من فعل فارس, ولكنها لم تبقى في مكانها بل ذهبت إلى غرفة فارس وعندما وصلت عند الباب طرقة الباب بقوه, خرج لها مجيد: ماذا هناك؟ قالت نرجس وهي ممتلئة غضباً: أين هو فارس. مجيد: خرج قبل قليل وذهب إلى الأسفل. لحقت به نرجس, رأته جالساً عند بوابة السكن, اتجهت إليه والغضب مرسوماً على وجهها, وما إن وصلت حتى صرخت في وجهه وأخرجت ما في قلبها وبدأ التساؤل منها عما فعله مع حوراء, لكن فارس بقي صامتاً لا يعرف بماذا يرد على نرجس, والحزن قد كتم على وجه فارس, وحوراء لم تهتم بل كانت تزداد غضباً. حتى خرجت كلمة من فم فارس: هل يمكنك أن تتركينني قليلاً. نرجس: لا.. لن أتركك حتى تخبرني بكل شيء, من تكون أنت؟ ولماذا أتيت إلينا؟ أتركنا وشأننا وعد من حيث أتيت. فارس: سوف أعود وأترككم لوحدكم ولن تروني مرة أخرى, ولكن يجب عليك أن تعرفي أشياء عني........................ بقيت حوراء واقفة في مكانها وهي تستمع إلى فارس وملامح وجهها تغيرت من الغضب حتى الارتياح. ولكن ماذا كان يقول فارس لحوراء؟.. حقاً شيء عجيب نعيشه في هذه القصة, هل نحن ندور في دوامة لا يمكننا أن نوقفها, وهل هذه الدوامة نحن من يتحكم بها؛ هذه بعض الأسئلة التي دارت في مخيلة نرجس. عادت نرجس إلى السكن وحاولت أن تفسر لها موقف فارس ولكنها لم تقتنع, فظنت حوراء بأن فارس قد لعب بعقل نرجس. بدأ فارس بتجهيز أمتعته للسفر والعودة إلى بلاده, أنهى فارس ترتيب أمتعته والهم لم يفارقه بل كان ملازما له وكأنه إحدى حقائبه, مرت تلك الليلة والحزن لم يفارق فارس وحوارء. وفي الصباح قام من نومه ورتب نفسه للخروج إلى المطار, وما إن خرج من الغرفة وجد الجميع مجتمعين لتوديعه, نظر فارس إلى وجوه الجميع وكأنه يبحث عن شيء مفقود, ولم يجد فارس ذلك الشيء المفقود, مشى فارس خطوات الأسى والحزن, لحق به الجميع وهم صامتون حتى وصل إلى شقة حوراء, وقف أمام الباب وأخرج من حقيبته اليدوية مزماره ووضعه في فمه, وبدأ يعزف عليه عزف الوداع, انتظر الجميع حتى أنهى فارس عزفه. تنفس فارس الصعداء وقال: قد قلت هذا الكلام لنرجس ولكني طلبت منها أن لا تخبرك بهذا الكلام وأعلم أنك خلف الباب تسعينني جيداً, أحببت أن أقول لك بعض الكلمات قبل ذهابي؛ لم أكن أكذب عليك عندما قلت لك بأنك تشبهين فتاة قد أحببتها من قبل, ولكن كنت أكذب عليك عندما قلت لك بأني لا أحبك, فقط قلت تلك الكلمة كي أتمكن من الذهاب والعودة إلى بلادي, كنت أتمنى أن تكوني لي زوجة المستقبل وقد فكر في هذا ملياً فقلت في نفسي بأنك لا تستطيعين أن تبتعدي عن أهلكِ, قد يكون تفكير خاطئ قد فكرت فيه.. المهم يجب عليك أن تعلمي بأني كنت أحبك وما زلت أحبك وسوف أبقى أحبك والجميع يسمع مني هذه الكلمة... والوداع يا من امتلكت روحي. أخذ فارس حقائبه ومشى ومعه يمشي الحزن وقد خط له طريق الهم والغم. خرجت حوراء من غرفتها والدموع على خديها وقالت: قبل ذهابك يجب أن تعلم بأني لن أنساك أبداً وسوف تكون في بالي دائماً... أحبك. لم يتوقف فارس بل كان يسمع تلك الكلمات والحزن كان يجره إلى المستقبل الجديد... هكذا كانت حياته, أو بعبارة أخرى هكذا كانت حياتي, والآن أصبح وجهي كبياض الثلج قد أمتلئ بياضه من الشيب ومن هم الدنيا... أرجوا أن تعذرينني يا حوراء ولكن كان الزمان هو الحكم بيننا. أرجوا أن تصلكِ قصتي... صديقكِ القديم فارس. تـــــــــمــــــت
م.ع.ع
رخصة النشر (Syndication)
































11/08/2009 على الساعة 12.43:38
من طرف ابو فاطمة
جميع النساء تكرة ان تكون جالسة ...
10/08/2009 على الساعة 08.52:55
من طرف EYAD
يعتمدمن شخص الي اخر
03/06/2009 على الساعة 08.32:29
من طرف Mohammad
الله على الفوائد والله شي قشر ...
09/05/2009 على الساعة 14.44:52
من طرف الدر المنثور
ارجو ان تكون وجهة نظري مقبولة, ...
20/04/2009 على الساعة 08.52:19
من طرف wedad